العيني
25
عمدة القاري
ومجسد ، لأنها مأخوذة في المعنى من : أصحفت ، أي : جمعت فيه الصحف ، وأطرف ، أي جعل في طرفيه علماً ، وأجسد ، أي : ألصق بالجسد ، وكذلك المغزل ، إنما هو أدير وفتل ، وقال أبو زيد : تميم تقول بكسر الميم ، وقيس تقول بضمها . ثم قلنا : إن المصحف ما جمعت فيه الصحف ، والصحف ، بضمتين ، جمع صحيفة ، والصحيفة : الكتاب . قال الله تعالى * ( صحف إبراهيم وموسى ) * ( الأعلى : 19 ) يعني : الكتب التي أنزلت عليهما ، وأصل التركيب يدل على انبساط في الشيء وسعة ، ثم هذا الذي ذكره البخاري من قوله : قال أنس : نسخ عثمان المصاحف ، قطعة من حديث لأنس ، رضي الله عنه ، ذكره البخاري في فضائل القرآن عن أنس : أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، رضي الله عنه ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية ، وفيه : ففزع حذيفة من اختلافهم في القراءة ، فقال لعثمان ، رضي الله عنه : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة ، رضي الله عنها ، أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ، ثم نردها إليك . فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت ، وعبد اللَّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، رضي الله عنهم ، فنسخوها في المصاحف ، وفيه : حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ، رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا . وفي غير البخاري : أن عثمان ، رضي الله عنه ، بعث مصحفاً إلى الشام ، ومصحفاً إلى الحجاز ، ومصحفاً إلى اليمن ، ومصحفاً إلى البحرين ، وأبقى عنده مصحفاً ليجتمع الناس على قراءة ما يعلم ويتيقن . وقال أبو عمرو الداني : أكثر العلماء على أن عثمان كتب أربع نسخ ، فبعث إحداهن إلى البصرة ، وأخرى إلى الكوفة ، وأخرى إلى الشام ، وحبس عنده أخرى . وقال أبو حاتم السجستاني : كتب سبعة ، فبعث إلى مكة واحداً ، وإلى الشام آخر ، وإلى اليمن آخر وإلى البحرين آخر ، وإلى البصرة آخر ، وإلى الكوفة آخر ، ودلالة هذا على تجويز الرواية بالمكاتبة ظاهرة ، فإن عثمان ، رضي الله عنه ، أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ، ومخالفة ما عداها . والمستفاد من بعثه المصاحف إنما هو قبول إسناد صورة المكتوب بها ، لا أصل ثبوت القرآن ، فإنه متواتر . وَرَأَى عبدُ اللَّه بنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ ومالِكٌ ذَلكَ جائزاً . أي : عبد اللَّه بن عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، أبو عبد الرحمان القرشي العدوي المدني ، ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني ، ومالك بن أنس المدني . أما عبد اللَّه ابن عمر هذا فإنه روي عنه أنه قال : كنت أرى الزهري يأتيه الرجل بكتاب لم يقرأه عليه ، ولم يقرأ عليه ، فيقول : أرويه عنك ؟ فيقول : نعم . وقال : ما أخذنا نحن ولا مالك عن الزهري إلا عرضاً . وأما يحيى ومالك فإن الأثر عنهما بذلك أخرجه الحاكم في ( علوم الحديث ) من طريق إسماعيل بن أبي أويس . قال : سمعت خالي ، مالك بن أنس ، يقول : قال يحيى بن سعيد الأنصاري ، لما أراد الخروج إلى العراق : التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب ، حتى أرويها عنك ! قال مالك : فكتبتها ، ثم بعثتها إليه . وقال بعضهم : عبد اللَّه بن عمر هذا ، كنت أظنه ، العمري المدني ، ثم ظهر لي ، من قرينة تقديمه في الذكر على يحيى بن سعيد ، أنه ليس إياه ، لأن يحيى بن سعيد أكبر منه سناً وقدراً ، فتتبعته فلم أجده . عن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب صريحاً ، ولكن وجدت في ( كتاب الوصية ) لابن القاسم بن منده من طريق البخاري بسند له صحيح إلى أبي عبد اللَّه الحبلي ، بضم المهملة والموحدة ، أنه أتى عبد اللَّه بكتاب فيه أحاديث ، فقال انظر في هذا الكتاب ، فما عرفت منه أتركه ، وما لم تعرفه امحه . وعبد اللَّه : يحتمل أن يكون هوّ ابن عمر بن الخطاب فأن الحبلي سمع منه ، ويحتمل أن يكون ابن عمرو بن العاص ، فإن الحبلي مشهور بالرواية منه . قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : أن تقديم عبد اللَّه بن عمر المذكور على يحيى بن سعيد لا يستلزم أن يكون هو العمري المدني المذكور ، فمن ادعى ذلك فعليه بيان الملازمة . الثاني : أن قول الحبلي : إنه أتى عبد اللَّه ، لا يدل بحسب الاصطلاح إلاَّ على عبد اللَّه بن مسعود ، فإنه إذا أطلق عبد اللَّه غير منسوب يفهم منه عبد اللَّه بن مسعود إن كان مذكوراً بين الصحابة ، وعبد اللَّه بن المبارك إن كان فيما بعدهم . الثالث : أنه إن أراد من قوله : ويحتمل أن يكون هو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ، أن يكون المراد من قول البخاري من : عبد اللَّه بن عمر ، عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ، فذاك غير صحيح ، لأنه لم يثبت في نسخة من نسخ البخاري إلا عبد اللَّه بن عمر ، بدون الواو ، والذي يظهر لي أن عبد اللَّه بن عمر هذا هو العمري المدني كما